اغتيال الوادي
.

اغتيال الوادي

- ‎فيمقالات
555
0

هذه الليلة اتفقت أنا و(أبو سعد )على أن نخرج مساءً ،في جلسة استرخاء على الوادي ،نستمتع بالمناظر التي أعقبتها السيول تستعيد ذكرياتنا عن هذا الوادي الذي لا زلت اذكر انه كان نهراً يجري لمدة ستة أشهر أو ما يقارب السنة دون انقطاع ، كان ماؤه صافيا ، وكنا نصطاد الأسماك فيه ، ليس هذا من نسج الخيال ، وإنما ماضٍ عشته وعاشه من هو في سني ، كان وادينا جميلاً ، كانت غابات العرين تمتد على ضفاف الوادي لتشكل حرساً قوياً على هذا النهر الجاري ،تصونه من أي عابث أو معتدي.
بسطنا فرشتنا للجلوس وبدأ (أبو سعد) في إعداد القهوة والشاي ، واسترخيت أنا قليلا ،رفعت وجهي نحو السماء وحدقت فيها طويلا .
ليس في السماء ما يثير بالنسبة لأكثر الناس ،انها بالنسبة لهم كما هي ، ولكن بالنسبة لي الأمر مختلف.
بدت السماء قريبة جداً، وحميمة جداً، كأن النجوم على وشك أن تُطال باليد، ذهبت مخيلتي إلى جهات شتى ساعتها قفزت إلى ذاكرة الطفولة تلك الهنيهات التي لا تنسى عن سماء كانت أقرب إلينا ، وعن نجوم تغادر منازلها ، وتهبط إلى بيوتنا المشرعة على الفضاء الرحب فتسامرنا حتى الصباح ،كان بريقها يستحوذ على قلوبنا الغضة ،كان أهالينا يحذروننا من النظر الى القمر أو إلى النجوم ..يقولون أنها تسبب ظهور البثور والثالول.
….. أيام لا تنسى ، وفجاءة قطع استرسال خيالي
هدير أصوات مزعجة ، ترتفع لحظة وتخفت أخرى ،وصوت عواء وعويل ، وأنين ينبعث من باطن الأرض ، وأغبرة متصاعدةفي الفضاء !
يا إلهي ! ماذا يحدث ؟
اتجهنا مسرعين إلى مصدر الصوت ..
وهنا هالنا منظر الكارثة ……
رأينا أفواها فاغرة ، ذات أضراس قوية، وأنياب مفترسة ،تنهش في بطن وادينا الممزق ،ورأينا أفواجا من الجوعى، وهم يتزاحمون للنيل من أشلائه الممزقة !!!
ما هذا يا ابو سعد؟
أطرق ابوسعد ملياً ثم تنفس الصعداء وقال بعد آهة مكلومة انبعثت من أعماق قلبه ،
هذه الأنياب ياصديقي هي أفواه (الشيولات )المسعورة التي تنهش في بطن وادينا المرحوم لتوزعه على هذه (القلابات )التي انتفخت بطونها وأوداجها من خير هذا الوادي .
ياصديقي : سِر على امتداد هذا الوادي من العلبة إلى الغريف ،سيتكرر أمامك نفس المشهد ،ذئاب تنهش و……. تبتلع ..
والكل منا يراقب المشهد بصمت !
لقد اغتالوا وادينا ….. لقد اغتيل وادينا أمامنا ،
ولكن اغتيال عن اغتيال يختلف ،ففي أعراف الاغتيال التي نسمع عنها في الأفلام والأخبار ،يتخفى المجرم أو يتهرب عن العدالة ولكن المشهد هنا يختلف فمن نفذ جريمة الاغتيال ومن تبعه من المتسولين يمشون بيننا رافعي رؤسَهم ، ودماء وادينا تسيل بين شفاههم ،وهم يلوكون جسمه المهترئ،
من يأخذ بثأر وادينا ؟
من يعزينا في وادينا؟
رَبَتٌ على كتف (ابو سعد )، قلت له مهلا ياصديقي لا تيأس انظر إلى أرتال السيارات القادمة انها تحمل المعزين ،أو من يريدون ان يثأروا لواديهم ، عاودتني نشوة الفرح ،وغرقت في أحلامي برهة ،وأنا أتخيل أن هذه الجموع القادمة ستشفي غليلي بالانتقام لوادينا ،وكنت على وشك الاستعداد للمشاركة في هذه المهمة التي يمليها عليَّ الضمير والواجب … ولكن وياللأسف …المشهد تغير والمأساة تكررت ، فهؤلاء القادمون يحملون مخلفات بيوتهم وأوساخهم ليدفنوا بها جثة هذا الوادي الكئيب .
رحم الله وادينا عندما كان حيا نهشوا جثته وعندما مات واروا جثته ودفنوها بالمخلفات.

‎إضافة تعليق

قد يعجبك ايضاً

خطر المقاصف التقليدية

* الغذاء الصحي نشاط واستيعاب ونتائج إيجابية …